السبت، 19 مايو، 2012

جوانب من الإشعاع الثقافي في بلاد شنقيط


بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم : أ.محمد الأمين ولد كيه
أولا : نماذج من نوادر المخطوطات الشنقيطية 
تتضمن هذه النماذج المختارة على وجه الخصوص بعض الفوائد التي منها ما يتعلق بالأمور َالعقدية {مسائل العقيدة} ثم شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم وصولا إلى بعض الأحكام الفقهية الضرورية وغير ذلك , والبداية مع خطب النبي صلى الله عليه وسلم إذ وردت منها أمثلة في سياق المواعظ المؤثرة في مخطوط هو عبارة عن خطب الجمعة التي كان يلقيها الإمام عبد القادر بن الخراشي الشمسدي {ق13هـ} في المسجد العتيق بأوجفت وهذه مقتطفات مما ورد فيها : {أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم وإن المؤمن بين مخافتين , بين أجل قد مضى لايدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الممات فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار } ونعرج على رسالة للشيخ سيديا الكبير الأبييري بعث بها إلى تلميذه العالم السالك بن أحمدناه الشمسدي {أواخر القرن13هـ} وقد اشتملت على فوائد في مجالات شرعية مختلفة , ومنها نأخذ هذا الاستطراد {الخمول نعمة وكل الناس يأباه والظهور نقمة وكل الناس يتمناه ولذا قال  إبراهيم بن أدهم :ما صدق الله من أحب الشهرة , وقيل :والله ما صدق  عبد إلا سره أن لا يُشعر بمكانه  ,وقال بشر بن الحارث : لايجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس , وذلك لأن حب الشهرة يقدح في الإخلاص ومن أخمل ذكر نفسه وألزمها التواضع استنار بنور الإخلاص قلبه ونال من ربه أعلى درجات الخصوصية } 
أما محمد بدر الدين بن عمار الشمسدي {ت1943هـ}فألف كتابا بعنوان "إجراء الأحكام بسبب النطق بشهادة الإسلام" بسط فيه الحديث عن خطر التكفير وقد بدأه بقوله {الحمد لله رب العالمين الملك الرزاق المبين والصلاة والسلام على خلاصة الأنام الذي لا يبارى في الجود سيدنا ووسيلتنا المحمود الذي إذا وعد وفى بالموعود } ثم دخل في جوهر الموضوع فقال : 
سُئل السبكي عن حكم تكفير المبتدعة فقال :اعلم أن كل من خاف من الله عز وجل استعظم القول بالتكفير فهو أمر هائل عظيم الخطر لأن من كفر شخصا فكأنه أخبر أن عاقبته في الآخرة الخلود في النار وأنه في الدنيا مباح الدم والمال , ولبعضهم :
وإن ما الردة قطع القلب         الإيمان يا له من قلب 
فكيف كفر العبد باللسان        وقلبه اطمأن بالإيمان
هذا وإنه من الكبائر   تكفير             شخــص لم يكن بكافر
إلا لمن صرح بالكفران            واختاره دنيا عن الأديان
ونقف هنا مع مجموعة نصائح للشيخ محمد الحسين بن باباه العلوي يقول فيها :
{إياك وموالاة من تجرأ على الإقدام على ما يوجب عداوة الخالق وحزبه وهو الغالب الذي لا يُغلب فمن والى من تجرأ على ذلك كان من حزب محارب للمولى عز وجل فحق مقته , وفي هذا المعنى أنشدوا :
تريد صديقي ثم تزعم أنني    صديقك إن الرأي عنك  لعازب 
قال العلماء :لم يحارب الله تعالى عاميا إلا المنكر على الأولياء وآكل الربا وكل منهما يخشى عليه خشية تكون قريبا من سوء الخاتمة }
وفي سياق المديح النبوي نورد من روائع تخميسات ابن مهيب هذه القطعة الشعرية البليغة :
لقد بهر الأنوار نُورُ شعاعه         وقام بأمر الله جهد اضطلاعه 
فلا خير إلا في المسير تباعه        سعادتنا مشروطة باتباعه 
وهل يثبت البنيان إلا على الأس
ولا بأس ونحن نقف على هذا الغرض الكبير الذي هو غرض مدح النبي صلى الله عليه وسلم أن نتبرك بإيراد بعض شمائله لتي تضمنتها القصيدة البائية للعلامة زروق وهذه مختارات منها :
لقد كان خيرُ الخلق أبهرَ طلعة          من البدر بل من شمسه هو ألهبُ
جميل المحيا أزهر اللون أبلج             بهي بهيج الوجه أبيض مَشربُ
بعيد الذي يبن المناكب واسع          جبينا طليق الوجه ليس يقطبُ 
و قد وسع الأقوام حلما وبسطة        وصاروا سواء فيه وهو لهم أبُ
ثم تستمر القصيدة لتُختم بهذا البيت :
عليك صلاة الله ثم سلامه          وآلك والأصحاب ما ذر كوكب
وننتقل
إلى  بعض الكلام النفيس في الحث على التعلم والتأكيد عليه لفضيلة العلامة محمد محمود بن الحسن الشمسدي  نصه :{... جدوا واجتهدوا في العلم وتحصيله وتحريره فإن مدار كل شيء عليه ولا رفعة في الدنيا والآخرة  إلا به , وإذا كان لا رتبة  فوق النبوة فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة وغاية العلم : العمل لأنه ثمرته وفائدة العمر وزاد الآخرة فمن ظفر به سعد ومن فاته خسر والعلم بلا عمل لا يسمى علما بل هو رد وباطل } ونختم بفتوى القاضي محمد أحمد بن الإمام الشمسدي وقد بُعث إليه بسؤال نصه :{بم يثبت رمضان في حق من أدركه انتهاء شعبان في بلد من بلاد الكفر ؟فأجاب إجابة العالم المتمكن قائلا : الحاصل أن من أدركته ليلة 30من رمضان في بلد من بلاد الكفر فإن رأى بعينه هلال شوال أفطر وإن أخبره عدل مسلم أنه رآه أفطر وإن نقلت إليه التلغرافيا ثبوت رأيته في بلده أو غيره من بلاد المسلمين أفطر وكذلك من أدركته ليلة 30 من شعبان في بلد غير مسلم فالمعتبر في ثبوت الأهلة رؤية الشخص لنفسه أولا فإن لم يره وشهد برؤيته  عدلان  أو مستفيضة لزمه حكمه صوما أو فطرا }
ثانيا:- مدينة أوجفت كما تصورها كتابات الباحثين من أبنائها :
تتحدث هذه الكتابات عن النشاط العلمي المكثف في المدينة بوجود علماء وأدباء وخطباء ومتصوفة يتفقون جميعا في منحى واحد هو استصحاب الثقافة الشرعية والمعرفة الموسوعية وهذا عرض مقتضب لهذه  الدراسات المذكورة :
1-كتاب طبقات الإمامات السبعة للباحث الكبير الأديب السني عبداوه,وقد بدأت هذه الدراسة القيمة بتمهيد جاء فيه {كم خلد الذكر أسماء رجال عظماء بقيت ذكراهم خالدة في حافظة الزمان ,وهكذا فالرجال اثنان : رجل ولد وعاش ومات ورجل ولد ليعيش عظيما مخلدا في ذاكرة الأجيال }وسرد من هؤلاء الخالدين :
- محمدمحمود بن الكوري القاضي بن الهاشم العلوي
-سيد بابه بن محمد سلطان الشمسدي
- الشيخ محمد الامين بن سيدينا...إلخ
2-الحياة الثقافية في أوجفت خلال ق12-13هـ"مذكرة جامعية "للدكتور الهادي ولد محمد محمود ولد الهادي استعرض فيها نماذج من الشعر الأوجفتي القديم ,بينما تناول الشق الثاني منها :تراجم بعض أعلام التصوف في المدينة {أحمد سيفر ,اشريف بو قراره}
3- الشعر الفصيح في أوجفت "مذكرة جامعية "أعدها الأستاذ محمد عبد الرحمن بن الإمام وخلص فيها إلى الآتي :{تعرضنا  لما يربو على 20شاعرا منهم 5شعراء معاصرين والبقية هي التي واكبت ظهور الشعر في المقاطعة وقد تطرقنا إلى الأغراض الشعرية ووجدنا كيف كان الشعراء الفترة الأولى مقلدين لأقرانهم من شعراء قطرهم أو شاركوهم تقليد الشعر الجاهلي والإسلامي }
4- معجم المؤلفين في أطار وأوجفت "مذكرة جامعية "لكاتب هذه السطور وهذه خلاصتها :{تنوعت شخصيات البحث لتشمل الشعراء والعلماء المحققين الذين التزموا بسمة التأليف التي تشمل كل مكتوب يحمل في طياته مقدمة وهيكلا وخاتمة } وقد تُرجم فيها ل16 شخصية علمية أوجفتية .
وهكذا إذن يصدق على الذين أتينا بنماذج من إنتاجهم قول الشاعر :
يموت قوم فيحيي العلم ذكرهم      والجهل يلحق أمواتا بأموات
وقول الآخر:
فقم بعلم ولا تبغي به بدلا     فالناس موتى وأهل العلم أحياء
وقال صلى الله عليه وسلم:{ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث :
-منها –علم يُنتفع منه }رواه مسلم ,
وقد بين أحمد شوقي أن الخلد مطلب عسير المنال لا يظفر به إلا ذوو الهمم الكبارفقال :
وليس الخلد مرتبة تلقى      وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار        إذا ذهبت مصادرها بقينا
وسر العبقرية  حين يسري       فينتظم الصنائع والفنونا
وآثار الرجال إذا تناهت          إلى التاريخ خير الحاكمينا
وأخذك من فم الدنيا ثناء          وتركك في مسامعها طنينا
وقد قال الفرزدق في نقائضه معتزا بكرم وشهامة أجداده :
أولئك آبائي فجئني بمثلهم   إذا جمعتنا ياجرير المجامع
هذه إذن قراءة عابرة في أمثلة من إسهامات علماء أوجفت وقد أشفعناها باختيارات مما حفظته لنا مكتبات هؤلاء العلماء الأعلام .
وإذا كان الباحثون يصفون "الأدب الموريتاني" بالحلقة المجهولة في سلسلة الأدب العربي فإن نفس الشيئ ينطبق على" التراث الأوجفتي" فببإعادة  الاعتبار  إليه اكتمل تراث منطقة آدرار فعلى سبيل المثال اكتمل تدوين تاريخ آدرار من خلال صياغة حوليات مدنه الأربع {وادان وشنقيط أطار وأوجفت} والمشار إليه هنا هو 4نصوص: :
1- تاريخ الطالب أحمد بن طُوير الجنة الحاجي الواداني 
2-تاريخ الأنساب الشنقيطية لأحمد بن حبت الغلاوي الشنقيطي 
3-نزهة الأخيار في الغامض من الحروب والأخبار لعبد الودود بن انتهاه الشمسدي الأطاري
4- القول الفسيح في النسب والتاريخ الصحيح لمحمدمحمود بن الحسن الشمسدي الأوجفتي.
وصفوة القول:
إن الإشعاع الثقافي في مدينة أوجفت التاريخية جزء لا يتجزء من الإشعاع الثقافي في بلاد شنقيط أرض المنارة والرباط.
بقلم : أ:محمد الامين بن كيه

0 التعليقات:


المنشورات هنا لا تعبر بالضرورة عن رأي مدونة مقاطعة أوجفت